محمد صفاء شيخ ابراهيم حقي

292

علوم القرآن من خلال مقدمات التفاسير

البيان الذي به يعبرون عن ما في صدورهم ، وأنهم في هذا البيان متفاوتون ، ما بين خطيب مسهب وعيّ لا يبين ، وأن أعلى مراتب البيان أبينه عن مراد قائله ، وأبلغه عن حاجة المبين عن نفسه ، وأقربه إلى فهم سامعه ، فإن تجاوز هذا المقدار ، وعجز أن يأتي بمثله العباد كان حجة وعلما للرسول . وعلى ذلك بيّن أن القرآن هو في أعلى درجات البيان لأنه تعالى تحدى به قوما كانوا رؤساء الفصاحة ، وقيل : الشعر والسجع والكهانة ، فأقروا بالعجز وأذعنوا بالتصديق ، فكان فضل كلام اللّه على كلام غيره كفضله جلّ وعلا على عباده . وإذا كان الأمر كذلك ، فإن من خاطب غيره بما لا يفهمه لم يكن مبينا عن نفسه ، وعليه بنى المصنف استحالة مخاطبة اللّه جلا وعلا أحدا ، من خلقه بما لا يفهم ، أو إرساله رسولا لقوم لا يفهمون خطابه ، إذ إن ذلك لا يوجب فائدة ، وهو أمر يستحيل على اللّه سبحانه ، وعلى ذلك فكل رسول أرسل بلسان قومه ، وكل كتاب أنزل بلسان من نزل عليه ، وعليه فالقرآن الكريم نزل بلسان محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فبيّن أن القرآن عربي . ويستوجب ذلك أن تكون معاني كتاب اللّه تعالى المنزّل على محمد صلى اللّه عليه وسلم لمعاني كلام العرب موافقة ، وظاهره لظاهر كلامها ملائم . « 1 » ولطول باع ابن جرير ، وتمكنه في فنون العلم المتنوعة ، فإن كل ما يمليه

--> ( 1 ) انظر الصفحات : 8 - 12 من المقدمة .